abu-suleman
09-28-2008, 04:07 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
أحْمدُكَ الَلهُمَ وَأَسْتَعينُك وَأَسْتَهْديكَ وأُصَلي وأُسَلم عَلَى رسُولك الأمين وَعلى آله وَصَحبه أجمعين وَمَنْ تبعَهمْ بإحسَانٍ إلى يَوْم الدين
عين جالوت25/9رمضان
بعد احتل (هولاكو ) دمشق وقبل أن يغادر الشام عائداً إلى بلاده أرسل رسله يحملون ( كتاباً ) إلى السلطان ( قطز ) تضمن معاني التهديد والوعيد , يدعوه على الاستسلام , وتقديم فروض الولاء والطاعة وقد جاء في ذلك الكتاب :
( من ملك الملوك شرقاً وغرباً , القان الأعظم , بإ سمك اللهم باسط الأرض ورافع السماء . يعلم الملك ( قطز ) الذي هو من جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا إلى هذا الإقليم ,يتنعمون بأنعامه , ويقتلون بسلطانه بعد ذلك ....
نحن جند الله في أرضه , خلقنا من سخطه وسلطنا على من حل به غضبه ..
فنحن لا نرحم من بكى ولا نرق لمن شكا .....
فمالكم من سيوفنا خلاص , ولا من مهابتنا مناص , فخيولنا سوابق وسهامنا خوارق , وسيوفنا صواعق وقلوبنا كالجبال وعددنا كالرمال ...
دعاؤكم علينا لا يسمع , فإنكم أكلتم الحرام.....
وقد ثبت عندكم أن نحن الكفرة , وثبت عندنا أنكم الفجرة .....
يبدو واضحاً من هذه الرسالة أن المغول يعلمون علم اليقين سر نكبة المسلمين , وأنها بسبب انحرافهم عن دينهم وانغماسهم في المعاصي والآثام – وخاصة الطبقة الحاكمة التي بيدها الأمر والنهي – فقد ظلموا , وطغوا , وتجبروا , وأكلوا الحرام , وارتعوا فيه, وخانوا العهود والمواثيق مع الله ومع الناس , وتعودت ألسنتهم على قول ما يغضب الله ويفسد العلاقات بين المسلمين عرفوا الله وعصوه .( ..... ودعاؤكم علينا لا يسمع, فإنكم أكلتم الحرام , ولا تعفون عند الكلام , وخنتم العهود والإيمان , وفشا فيكم العقوق والعصيان . فأ بشروا بالمذلة والهوان , بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون , وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ...... )
لكن هذه المعلومات التي عرفها المغول كانت تنطبق على المسلمين الذين سحقوا أما الآن فإن الله سبحانه وتعالى – قد من على المسلمين بحاكم عاد إلى روح الإسلام وقواعده- وطبقه على نفسه وعلى من حوله , فجمع الكلمة على دعوة الإسلام , ووحد الصفوف على طريقه الصحيح , وابتعد عن الظلم وعن الخطايا والآثام , وشجع الأمر بالمعروف واستمع لنصيحة الناصحين وتفانى في خدمة الإسلام والمسلمين , ونصر الله على نفسه فحق على الله أن ينصره , ومن هنا جاء أول نصر ساحق على المغول .
يقول ابن كثير عن السلطان قطز ( ..... وكان السلطان قطز رجلاً صالحاً كثير الصلاة في الجماعة , ولا يتعاطي المسكر , ولا شيئاً مما يتعاطاه الملوك )
كما أنه لما رأي عصائب التتار قال للأمراء الذين معه وكان اليوم يوم جمعه : ( لا تقاتلوهم حتى تزول الشمس , وتفيء الظلال وتهب الرياح ويدعو لنا الخطباء والناس في صلاتهم )
موقف السلطان قطز :
تداول السلطان قطز رحمه الله الرأي مع أمرائه فأظهر بعضهم التقاعس وفكروا في الهروب إلى المغرب وقال بعضهم بأن المغول لا يؤمن جانبهم , فقد قتلوا كثيراً ممن سلم لهم ولكن السلطان قرر مجابه المغول وبدأ الحرب بقتل ر سلهم .
فكر السلطان في جمع الأموال من الناس ليصرف منها على الجهاد والمجاهدين . وطلب رأي قاضي القضاة في مصر ( الشيخ عز الدين عبد السلام ) حتى إذا اتفق معه في الرأي وجه القاضي نداء إلى الناس يطلب منهم مساندة الدولة بأموالهم .
وفي هذه الموقف الشديد الحافل بالخطر , يظهر الرجال المخلصون المؤمنون الأقوياء ,
فيتقدم القاضي عز الدين بن عبد السلام إلى السلطان ليقول له كلمة الحق التي ترضي الله , وينصحه بما يعود عليه وعلى الإسلام والمسلمين بالخير والبركة , ولم ينافقه بالموافقة على رأيه , ولم يجعل من الظرف الدقيق الذي تمر به البلاد مبرراً لإرضاء الحكام والمسئولين على حساب الأمة الإسلامية والموافقة على طلباتهم وتنفيذها مهما كان ظلمها وجورها , بل وقف وقال ( لا بد أن تدفع أنتَ وجميع الأمراء والمماليك جميع ما تملكون من ذهب وغيره فإذا لم تكف هذه الأموال دعونا الناس إلى الجهاد بأموالهم , أما أن يدفع الناس أَموالهم وأَنتم تكنزون الذهب والفضة ؟ فلا بد أن تضربوا للناس المثل الأعلى )
وقد تقبل السلطان المؤمن هذه النصيحة بقبول حسن فأمر جميع الأمراء من المماليك بجمع ما لديهم ففعلوا , عند ذلك تسابق المسلمون إلى المشاركة بكل ما يملكون من أموال وأنفس لأنهم رأوا قيادتهم تضرب له المثل الأعلى في البذل والفداء .
وجد السلطان ( قطز ) أن الهجوم خير وسيلة للدفاع مؤمنا بالحكمة التي رددها علي بن أبي طالب رضي الله عنه
( ما غُزي قوم في عقر دارهم إلاَّ ذلوا ) ولم ينتظر مجيء المغول كما كانت تفعل البلدان الإسلامية , بل توجه لملاقاتهم .
أنطلق إلى (غزة) ومنها إلى ( عكا ) التي كانت تحت حكم الصليبيين , فعرضوا عليه أن يسيَّروا معه نجدة فشكرهم وخلع عليهم , واستحلفهم أن يكونوا لا له ولا عليه , وأقسم لهم أنه متى تبعه منهم فارس أو راجل يريد أذى عسكر المسلمين رجع وقاتلهم قبل أن يلقى التتر ( المغول ).
وقد عاد إستعمال الطريق الساحلي الذي كان بأيدي الصليبيين بالفائدة الكبرى على المسلمين لأنه أتاح لهم فرصة التمون من الفرنجة , فلقوا عدوهم وهم على أهبة الاستعداد , وبعد أن أخذوا قسطاً من الراحة , هذا بالإضافة إلى كثرة عدد المسلمين بالنسبة للمغول .
جهز القائد المغولي ( كُتبغا ) قواته وتقدم بها نحو الجنوب يريد ضرب القوات الإسلامية معتمداً على قواته وسطوته .
ومن ناحية أخرى فإن السلطان قطز أمر بالأمراء فجمعوا , وحضهم على قتال (المغول ) وذكرهم بالجرائم التي ارتكبها المغول في البلاد الإسلامية التي احتلوها من قتل وسبي وحرق وتخريب , وخوفهم وقوع مثل ذلك في بقية البلاد الإسلامية , وأن أولادهم ونساءهم , وأنفسهم عرضة للقتل والسبي , وحثهم على استنقاذ الشام من المغول , ونصرة الإسلام والمسلمين وحذرهم غضب الله وعقوبته فضجوا بالبكاء وتحالفوا على الجهاد في قتال المغول , ودفعهم عن البلاد
فأمر السلطان حينئذ أن يسير ( الأمير ركن الدين بيبرس ) بقطة من العسكر , فسار حتى لقي طليعة المغول فكتب إلى السلطان يعلمه بذلك , وأخذ في مناوشتهم , فتارة يقدم وتارة يحجم إلى أن وافاه السلطان .
وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان المبارك سنة 658 هــ ( 3 سبتمبر 1260م ) في موقع ( عين جالوت ) التقى الجيش المغولي – تؤيده النجدات الأرمينية والكرجية- بجيوش المسلمين حيث دارت بين الفريقين المعركة الفاصلة وكان السلطان ( قطز ) يدرك أن جيشه متفوق على قوات المغول في العدد , لذلك أخفى القسم الرئيس منها في تلال قريبة , ولم يظهر للعدو إلاَّ المقدمة التي يقودها ( بيبرس ) فحمل ( كُتبغا ) بكل رجاله على العدو الذي كان أمامه فتظاهر المسلمون بالتقهقر – حسب خطة محكمة أعدت من قبل – فتعقبهم المغول حتى وصلوا الكمين الذي أطبق عليهم, وطوق قواتهم جميعاً .
وقد شارك السلطان قطز في المعركة , إذ قاد الهجوم بنفسه في المعركة وأبلى بلاء حسنا ,
وضرب بذلك مثلاً من أمثلة الشجاعة النادرة , وتابعت قوات السلطان الضرب بكل قوة فلجأ المغول إلى الجبل ( فعندما اصطدم العسكران اضطرب جناح السلطان وانتفض طرف منه , فألقى السلطان المظفر عند ذلك خوذته عن راسه إلى الأرض وصرخ بأعلى صوته ( واإسلاماه ) وحمل بنفسه وبمن معه حملة صادقة فأيده الله بنصره ...
وانهزم المغول ومنح الله ظهورهم المسلمين يقتلون ويأسرون وأبلى الأمير ( بيبرس ) أيضاً بلاء حسنا بين يدي السلطان .
وتبع الجيش الإسلامي المغول إلى قرب ( بيسان ) فرجع إليهم المغول وتجمعوا في قوة أعظم من القوة الأولى فهزمهم الله وقتل أكابرهم , وعدد كبير منهم , وكان قد زلزل المسلمون زلزالا شديداً , ولكن صرخ السلطان قطز فيهم صرخة عظيمة سمعه معظم العسكر وهو يقول ( وا إسلاماه ) ثلاث مرات ( يا الله أنصر عبدك قطز على التتار )
فلما انكسر المغول الكسرة الثانية نزل السلطان عن فرسه ومرغ وجهه بالأرض وقبلها وصلى ركعتين شكراً الله تعالى , ثم ركب فأقبل الجنود وقد امتلأت أيديهم بالغنائم .
وهكذا بفضل الله ثم بفضل القيادة التي اتخذت الإسلام طريقاً والتزمت به سوكا ومنهجاً انهزم المغول لأول مرة في تاريخهم , وبعد أن ( كانت القلوب قد يئست من النصرة عليهم لاستيلائهم على معظم البلاد الإسلامية ولأنهم ما قصدوا إقليما إلاَّ فتحوه ولا عسكراً إلاَّ هزموه )
وبعد ذلك حُمل ( كُتبغا ) مكبلا إلى السلطان ( قطز ) فقال له : ( أيها الرجل الناكث العهد . ها أنت – بعد أن سفكت كثيراً من الدماء البريئة , وقضيت على الأبطال والعظماء بالوعود الكاذبة , وهدمت البيوتات العريقة بالأقوال الزائفة المزورة – قد وقعت أخيراً في الشرك .
ثم حصلت مناقشة سجلت فيها غطرسة ( كُتبغا ) ووقاحته وكان ختامها أن أمر السلطان ( قطز ) بقتله ففصلوا رأسه عن جسده .
أي دعوة من نقل هذه الصورة التاريخية أَمام أَعين أُمتنا لتعتبر ؟
ولنا في القرآن خير أُسوة
قال الله تعالى في سورة يوسف (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )111
أحْمدُكَ الَلهُمَ وَأَسْتَعينُك وَأَسْتَهْديكَ وأُصَلي وأُسَلم عَلَى رسُولك الأمين وَعلى آله وَصَحبه أجمعين وَمَنْ تبعَهمْ بإحسَانٍ إلى يَوْم الدين
عين جالوت25/9رمضان
بعد احتل (هولاكو ) دمشق وقبل أن يغادر الشام عائداً إلى بلاده أرسل رسله يحملون ( كتاباً ) إلى السلطان ( قطز ) تضمن معاني التهديد والوعيد , يدعوه على الاستسلام , وتقديم فروض الولاء والطاعة وقد جاء في ذلك الكتاب :
( من ملك الملوك شرقاً وغرباً , القان الأعظم , بإ سمك اللهم باسط الأرض ورافع السماء . يعلم الملك ( قطز ) الذي هو من جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا إلى هذا الإقليم ,يتنعمون بأنعامه , ويقتلون بسلطانه بعد ذلك ....
نحن جند الله في أرضه , خلقنا من سخطه وسلطنا على من حل به غضبه ..
فنحن لا نرحم من بكى ولا نرق لمن شكا .....
فمالكم من سيوفنا خلاص , ولا من مهابتنا مناص , فخيولنا سوابق وسهامنا خوارق , وسيوفنا صواعق وقلوبنا كالجبال وعددنا كالرمال ...
دعاؤكم علينا لا يسمع , فإنكم أكلتم الحرام.....
وقد ثبت عندكم أن نحن الكفرة , وثبت عندنا أنكم الفجرة .....
يبدو واضحاً من هذه الرسالة أن المغول يعلمون علم اليقين سر نكبة المسلمين , وأنها بسبب انحرافهم عن دينهم وانغماسهم في المعاصي والآثام – وخاصة الطبقة الحاكمة التي بيدها الأمر والنهي – فقد ظلموا , وطغوا , وتجبروا , وأكلوا الحرام , وارتعوا فيه, وخانوا العهود والمواثيق مع الله ومع الناس , وتعودت ألسنتهم على قول ما يغضب الله ويفسد العلاقات بين المسلمين عرفوا الله وعصوه .( ..... ودعاؤكم علينا لا يسمع, فإنكم أكلتم الحرام , ولا تعفون عند الكلام , وخنتم العهود والإيمان , وفشا فيكم العقوق والعصيان . فأ بشروا بالمذلة والهوان , بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون , وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ...... )
لكن هذه المعلومات التي عرفها المغول كانت تنطبق على المسلمين الذين سحقوا أما الآن فإن الله سبحانه وتعالى – قد من على المسلمين بحاكم عاد إلى روح الإسلام وقواعده- وطبقه على نفسه وعلى من حوله , فجمع الكلمة على دعوة الإسلام , ووحد الصفوف على طريقه الصحيح , وابتعد عن الظلم وعن الخطايا والآثام , وشجع الأمر بالمعروف واستمع لنصيحة الناصحين وتفانى في خدمة الإسلام والمسلمين , ونصر الله على نفسه فحق على الله أن ينصره , ومن هنا جاء أول نصر ساحق على المغول .
يقول ابن كثير عن السلطان قطز ( ..... وكان السلطان قطز رجلاً صالحاً كثير الصلاة في الجماعة , ولا يتعاطي المسكر , ولا شيئاً مما يتعاطاه الملوك )
كما أنه لما رأي عصائب التتار قال للأمراء الذين معه وكان اليوم يوم جمعه : ( لا تقاتلوهم حتى تزول الشمس , وتفيء الظلال وتهب الرياح ويدعو لنا الخطباء والناس في صلاتهم )
موقف السلطان قطز :
تداول السلطان قطز رحمه الله الرأي مع أمرائه فأظهر بعضهم التقاعس وفكروا في الهروب إلى المغرب وقال بعضهم بأن المغول لا يؤمن جانبهم , فقد قتلوا كثيراً ممن سلم لهم ولكن السلطان قرر مجابه المغول وبدأ الحرب بقتل ر سلهم .
فكر السلطان في جمع الأموال من الناس ليصرف منها على الجهاد والمجاهدين . وطلب رأي قاضي القضاة في مصر ( الشيخ عز الدين عبد السلام ) حتى إذا اتفق معه في الرأي وجه القاضي نداء إلى الناس يطلب منهم مساندة الدولة بأموالهم .
وفي هذه الموقف الشديد الحافل بالخطر , يظهر الرجال المخلصون المؤمنون الأقوياء ,
فيتقدم القاضي عز الدين بن عبد السلام إلى السلطان ليقول له كلمة الحق التي ترضي الله , وينصحه بما يعود عليه وعلى الإسلام والمسلمين بالخير والبركة , ولم ينافقه بالموافقة على رأيه , ولم يجعل من الظرف الدقيق الذي تمر به البلاد مبرراً لإرضاء الحكام والمسئولين على حساب الأمة الإسلامية والموافقة على طلباتهم وتنفيذها مهما كان ظلمها وجورها , بل وقف وقال ( لا بد أن تدفع أنتَ وجميع الأمراء والمماليك جميع ما تملكون من ذهب وغيره فإذا لم تكف هذه الأموال دعونا الناس إلى الجهاد بأموالهم , أما أن يدفع الناس أَموالهم وأَنتم تكنزون الذهب والفضة ؟ فلا بد أن تضربوا للناس المثل الأعلى )
وقد تقبل السلطان المؤمن هذه النصيحة بقبول حسن فأمر جميع الأمراء من المماليك بجمع ما لديهم ففعلوا , عند ذلك تسابق المسلمون إلى المشاركة بكل ما يملكون من أموال وأنفس لأنهم رأوا قيادتهم تضرب له المثل الأعلى في البذل والفداء .
وجد السلطان ( قطز ) أن الهجوم خير وسيلة للدفاع مؤمنا بالحكمة التي رددها علي بن أبي طالب رضي الله عنه
( ما غُزي قوم في عقر دارهم إلاَّ ذلوا ) ولم ينتظر مجيء المغول كما كانت تفعل البلدان الإسلامية , بل توجه لملاقاتهم .
أنطلق إلى (غزة) ومنها إلى ( عكا ) التي كانت تحت حكم الصليبيين , فعرضوا عليه أن يسيَّروا معه نجدة فشكرهم وخلع عليهم , واستحلفهم أن يكونوا لا له ولا عليه , وأقسم لهم أنه متى تبعه منهم فارس أو راجل يريد أذى عسكر المسلمين رجع وقاتلهم قبل أن يلقى التتر ( المغول ).
وقد عاد إستعمال الطريق الساحلي الذي كان بأيدي الصليبيين بالفائدة الكبرى على المسلمين لأنه أتاح لهم فرصة التمون من الفرنجة , فلقوا عدوهم وهم على أهبة الاستعداد , وبعد أن أخذوا قسطاً من الراحة , هذا بالإضافة إلى كثرة عدد المسلمين بالنسبة للمغول .
جهز القائد المغولي ( كُتبغا ) قواته وتقدم بها نحو الجنوب يريد ضرب القوات الإسلامية معتمداً على قواته وسطوته .
ومن ناحية أخرى فإن السلطان قطز أمر بالأمراء فجمعوا , وحضهم على قتال (المغول ) وذكرهم بالجرائم التي ارتكبها المغول في البلاد الإسلامية التي احتلوها من قتل وسبي وحرق وتخريب , وخوفهم وقوع مثل ذلك في بقية البلاد الإسلامية , وأن أولادهم ونساءهم , وأنفسهم عرضة للقتل والسبي , وحثهم على استنقاذ الشام من المغول , ونصرة الإسلام والمسلمين وحذرهم غضب الله وعقوبته فضجوا بالبكاء وتحالفوا على الجهاد في قتال المغول , ودفعهم عن البلاد
فأمر السلطان حينئذ أن يسير ( الأمير ركن الدين بيبرس ) بقطة من العسكر , فسار حتى لقي طليعة المغول فكتب إلى السلطان يعلمه بذلك , وأخذ في مناوشتهم , فتارة يقدم وتارة يحجم إلى أن وافاه السلطان .
وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان المبارك سنة 658 هــ ( 3 سبتمبر 1260م ) في موقع ( عين جالوت ) التقى الجيش المغولي – تؤيده النجدات الأرمينية والكرجية- بجيوش المسلمين حيث دارت بين الفريقين المعركة الفاصلة وكان السلطان ( قطز ) يدرك أن جيشه متفوق على قوات المغول في العدد , لذلك أخفى القسم الرئيس منها في تلال قريبة , ولم يظهر للعدو إلاَّ المقدمة التي يقودها ( بيبرس ) فحمل ( كُتبغا ) بكل رجاله على العدو الذي كان أمامه فتظاهر المسلمون بالتقهقر – حسب خطة محكمة أعدت من قبل – فتعقبهم المغول حتى وصلوا الكمين الذي أطبق عليهم, وطوق قواتهم جميعاً .
وقد شارك السلطان قطز في المعركة , إذ قاد الهجوم بنفسه في المعركة وأبلى بلاء حسنا ,
وضرب بذلك مثلاً من أمثلة الشجاعة النادرة , وتابعت قوات السلطان الضرب بكل قوة فلجأ المغول إلى الجبل ( فعندما اصطدم العسكران اضطرب جناح السلطان وانتفض طرف منه , فألقى السلطان المظفر عند ذلك خوذته عن راسه إلى الأرض وصرخ بأعلى صوته ( واإسلاماه ) وحمل بنفسه وبمن معه حملة صادقة فأيده الله بنصره ...
وانهزم المغول ومنح الله ظهورهم المسلمين يقتلون ويأسرون وأبلى الأمير ( بيبرس ) أيضاً بلاء حسنا بين يدي السلطان .
وتبع الجيش الإسلامي المغول إلى قرب ( بيسان ) فرجع إليهم المغول وتجمعوا في قوة أعظم من القوة الأولى فهزمهم الله وقتل أكابرهم , وعدد كبير منهم , وكان قد زلزل المسلمون زلزالا شديداً , ولكن صرخ السلطان قطز فيهم صرخة عظيمة سمعه معظم العسكر وهو يقول ( وا إسلاماه ) ثلاث مرات ( يا الله أنصر عبدك قطز على التتار )
فلما انكسر المغول الكسرة الثانية نزل السلطان عن فرسه ومرغ وجهه بالأرض وقبلها وصلى ركعتين شكراً الله تعالى , ثم ركب فأقبل الجنود وقد امتلأت أيديهم بالغنائم .
وهكذا بفضل الله ثم بفضل القيادة التي اتخذت الإسلام طريقاً والتزمت به سوكا ومنهجاً انهزم المغول لأول مرة في تاريخهم , وبعد أن ( كانت القلوب قد يئست من النصرة عليهم لاستيلائهم على معظم البلاد الإسلامية ولأنهم ما قصدوا إقليما إلاَّ فتحوه ولا عسكراً إلاَّ هزموه )
وبعد ذلك حُمل ( كُتبغا ) مكبلا إلى السلطان ( قطز ) فقال له : ( أيها الرجل الناكث العهد . ها أنت – بعد أن سفكت كثيراً من الدماء البريئة , وقضيت على الأبطال والعظماء بالوعود الكاذبة , وهدمت البيوتات العريقة بالأقوال الزائفة المزورة – قد وقعت أخيراً في الشرك .
ثم حصلت مناقشة سجلت فيها غطرسة ( كُتبغا ) ووقاحته وكان ختامها أن أمر السلطان ( قطز ) بقتله ففصلوا رأسه عن جسده .
أي دعوة من نقل هذه الصورة التاريخية أَمام أَعين أُمتنا لتعتبر ؟
ولنا في القرآن خير أُسوة
قال الله تعالى في سورة يوسف (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )111